محمد بن جرير الطبري
128
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا يقول : إنما تريدون أن تصرفونا بقولكم عن عبادة ما كان يعبده من الأوثان آباؤنا : فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يقول : فأتونا بحجة على ما تقولون تبين لنا حقيقته وصحته ، فنعلم أنكم فيما تقولون محقون . القول في تأويل قوله تعالى : قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يقول تعالى ذكره : قال الأمم التي أتتهم الرسل لرسلهم ؛ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ صدقتم في قولكم إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فما نحن إلا بشر من بني آدم إنس مثلكم ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يقول : ولكن الله يتفضل على من يشاء من خلقه ، فيهديه ويوفقه للحق ، ويفضله على كثير من خلقه . وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ يقول : وما كان لنا أن نأتيكم بحجة وبرهان على ما ندعوكم إليه إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يقول : إلا بأمر الله لنا بذلك . وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يقول : وبالله فليثق به من آمن به وأطاعه فإنا به نثق وعليه نتوكل . حدثنا القاسم ، قالا : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ قال : السلطان المبين : البرهان والبينة . وقوله : ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً قال : بينة وبرهانا . القول في تأويل قوله تعالى : وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الرسل لأممها : وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ فنثق به وبكفايته ودفاعه إياكم عنا ، وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا يقول : وقد بصرنا طريق النجاة من عذابه ، فبين لنا . وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا في الله وعلى ما نلقى منكم من المكروه فيه بسبب دعائنا إليكم إلى ما ندعوكم إليه من البراءة من الأوثان والأصنام وإخلاص العبادة له . وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ يقول : وعلى الله فليتوكل من كان به واثقا من خلقه ، فأما من كان به كافرا فإن وليه الشيطان . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا . . . مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ يقول عز ذكره : وقال الذين كفروا بالله لرسلهم الذين أرسلوا إليهم حين دعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له وفراق عبادة الآلهة والأوثان : لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا يعنون : من بلادنا ، فنطردكم عنها . أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا يعنون : إلا أن تعودوا في ديننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام . وأدخلت في قوله : لَتَعُودُنَّ لام ، وهو في معنى شرط ، كأنه جواب لليمين . وإنما معنى الكلام : لنحرجنكم من أرضنا أو تعودن في ملتنا ، ومعنى " أو " هاهنا معنى " إلا " أو معنى " حتى " كما يقال في الكلام : لأضربنك أو تقر لي ، فمن العرب من يجعل ما بعد " أو " في مثل هدا الموضع عطفا على ما قبله إن كان ما قبله جزما جزموه ، وإن كان نصبا نصبوه ، وإن كان فيه لام جعلوا فيه لاما ، إذ كانت " أو " حرف نسق . ومنهم من ينصب " ما " بعد " أو " بكل حال ، ليعلم بنصبه أنه عن الأول منقطع عما قبله ، كما قال امرؤ القيس : بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه * وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له : لا تبك عينك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا فنصب " نموت فنعذرا " وقد رفع " نحاول " ، لأنه أراد معنى : الآن نموت ، أو حتى نموت ، ومنه قول الآخر : لا أستطيع نزوعا عن مودتها * أو يصنع الحب بي غير الذي صنعا